صفحتنا على الفيسبوك

قراءة في كتاب "الفتنة، جدلية الدين و السياسة في الاسلام المبكر" هشام جعيط،

قراءة في كتاب "الفتنة، جدلية الدين و السياسة في الاسلام المبكر" هشام جعيط، ترجمة خليل أحمد خليل

           تتفرع جذور الهوية العربية إلى بداوة و تحضر، "بداوة" تجسدها القبيلة و تحفها حياة الترحال و العنف و الجهل (الجاهلية)، و "تحضر" تؤطره المدينة والشعور بالانتماء و الانتساب. وفي امتزاج وتفاعل العنصرين غنيت هذه الهوية فاستفاقت على مفهوم الدولة كنظام موحد ،و أردفت لغة للتواصل كلسان مشترك وتحولت معهما مكة البدوية (سابقا) إلى مركز تجاري مهم وقيادة سياسية حقيقية بتأسيس من "قصي" و ابنيه "عبد المناف" و "عبد الدار". هذه العشيرة التي ينتسب إليها نبي الاسلام "محمد" كابن ل"عبد الله" بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف بن قصي. و بهذا يكون النبي يتحدر من بيت قريش الديني و القيادي مما سيمنح له المشروعية كخطيب ديني و سياسي و الشرعية كمختار للتبشير الروحاني التوحيدي.من هنا انطلقت البارقة الدينية التي أدت إلى ولادة الإسلام، و من هنا ايضا رفعت اليافطة الإنذارية التي ألهبت فتيل المنافسة للارتقاء إلى سدة الانتقام. إنه إذن لتاريخ ديني ولتراكم سياسي و لاستفحال انتقامي بامتياز، إنه مسار جدلي يبعث عن الثوثر النفسي و الاستفزاز الذهني لكل قارئ – على اختلاف مشاربه - لكتاب المؤرخ التونسي هشام جعيط، إنه طريق متعرج مليء بالحفر و المخاطر، يصوره لنا هذا الكتاب المعنون تحت " الفتنة، جدلية الدين و السياسة في الإسلام المبكر" معتمدا على مشاهد درامية و مأساوية عديدة لا تمت "للسلم و السلام" عنوان "الاسلام" بصلة.
    يصف هشام جعيط تاريخ الإسلام المبكر بالفتنة كمفهوم تاريخي و توليفي (بين الدولة و الدين) لجملة صراعات مجتمعية من كل الأصناف، و كأداة ديناميكية لتعميق الخلافات الدينية و توسيع مجال الانشقاقات السياسية. إنه يبرز اللحظات الحاسمة لبناء الدولة الاسلامية و ارساء الدين الاسلامي من جهة و الخطوط المتشابكة لجدلية الدين و السياسة في الخلافة الراشدة من جهة اخرى. وذلك بعرض منحنى التطور المشهود للسلطة النبوية التي انبثقت ابان الهجرة من مكة إلى يثرب كوجهة شكلت ارض ملاذ و مكان استقبال للمهاجرين رفقة النبي، سلطة ستكتسب دعائم وركائز حلفية دفاعية قوية تؤهلها لخوض فتوحات كرد فعل لمواجهة الاعتداء و الانشقاق، فانقسمت إلى حركتين كانت بمثابة الموجة الاولى لعملية الفتح الاسلامي:
-فتح مكة (استقطاب جهينة و مزينة بعد معركة بدر الهجومية و الغنيمية ، استقطاب قبيلة خزاعة بفضل غزوة أحد، تأسيس الدولة بعد ربح معركة الخندق، فتح الشمال و الاستلاء الكلي على مكة بعد مرحلة الحديبية، الاستيلاء على أراضي اليهود و تقوية الولاءات للدولة الاسلامية  بعد واقعة خيبر)
- فتح مصر ، سوريا والأراضي الايرانية ( استلاب سوريا و مصر من الدولة البيزنطية  و الاراضي الايرانية من الامبراطورية الساسانية).
إن ما ميز الحركة النبوية هو التوحد والتنظيم الممنهج و العقلانية في الاتجاه نحو الهدف المثمثل في إخضاع مناطق النفوذ و الانتصار على الردة، مما نتج عنه ثراء لم تشهد الامة الاسلامية مثيله من قبل جراء ضخامة الفيء و الغنائم المحصل عليها بفضل الفتوحات العظيمة وولاء قبائل لم يسبق لها أن اعترفت باي سلطة..إنه إنجاز مثير للدهشة أدخل العرب في التاريخ ليشهد لهم بذلك وأصبح معه النصر النبوي ساكن في المخيال و اللاوعي العربي الجماعي.
لم يكن من سبب يجعل امتداد السلطة الاسلامية تنتهي حتى و إن تعلق الأمر بوفاة أعظم رموزها، وما من سبب يجعل المحاربين في سبيل الاسلام ينجرفون وراء الحزن على فقدان قائدهم و نبيهم "محمد" فيضيعون الدولة المهيمنة و الدين المكتمل، بل طرجت مسألة "الحفاظ على انجاز النبي" من دين و دولة ،و بالتالي طفو مسألة الخلافة على السطح، فكانت هذه الأخيرة بمثابة النقطة التي انطلقت منها شرارة تمزق الأمة الإسلامية ، ومصدر الانشقاقات وتعدد الطوائف، فبعدما كان الإجماع الكلي لخليفة الله على الارض حول شخصية النبي لا يشوبه شائبة، أصبح الخليفة مصدر بلبلة و اضطراب بسبب الاختلاف حول معايير الاستخلاف ومدى احقية الصحابة في استبعاد عائلة النبي من الانتخاب للخلافة !
  لا يختلف اثنان حول طاقة المقاومة الفريدة من نوعها الذي ورثها الخليفة الأول ابي بكر الصديق عن النبي، وذلك يتضح  في استمرار الآلة القتالية و القوة العسكرية في محو النبوءات المنتشرة بعد وفاة النبي "محمد"، وإعادة قبائل البحرين و عمان وغيرهما إلى الإسلام، و إجبار المعارضين على استخلاف شخصه على الولاء بحجة  تصدع الولاء للدولة بمثابة ارتداد عن الأسلام. لكن قوته هاته ومواصلة عملية الفتح بالنجاح الذي عهدته العرب لم  تبرآنه من الباس الباطل ثوب حق عائلة النبي في توريث الخلافة، فظل الاعتراض قائما من طرف الهاشميون و الأميون طيلة مدة خلافة ابي بكر و ايضا عمر بن الخطاب، هذا الاخير الذي ارتفع إلى سدة الحكم بعدما توفي ابي بكر عملا بمقتضيات منطق الصحبة و بغير وجه حق حسب اعتقاد انصار أولية الدم على الصحبة.
بنفس الايديولوجية الجهادية التي كانت تتحكم في طبيعة الانشطة العسكرية النبوية، واصلا ابي بكر و عمر عملهما الفاتح لإقامة الدولة الامبراطورية الاسلامية  فوق هشيم الإمبراطوريتين العالميتين الساسانية و البيزنطية بعد الحاقهما الهزيمة تلو الاخرى لتربحهما ارض العراق  بقيادة خالد بن الوليد ثم سورية و فلسطين بقيادة خالد بن سعيد بن وقاص. ولم تسلم الامبراطورية الفارسية من قوة المؤسسة الخليفية فجرى اخضاعها للولاء ايضا متبوعة بمصر تحت شعار "الجهاد اللامحدود" وعملا بقوانين الحرب فيما يخص فرض الجزية و الخراج على الشعوب المغلوبة ونيل العطاء أو الرواتب لفائدة المقاتلة و المهاجرين إلى الأراضي المفتوحة معتمدان على هرم توزيعي عادل وضعه عمر بصفة خاصة لانصاف الفقراء من المسلمين ، لكنه و مع تواجد المعارضين سوف يقع ضحية عملية اغتيال شنيعة (23ه/644م)، ستكون هي الاولى في تاريخ الإغتيال السياسي للخلافاء.
  بهكذا شجاعة و مقدام اتسم حكم ابي بكر الصديق، و بهكذا عدل ونزاهة اتصف نظام عمر بن الخطاب، وبانتهاء خلافتهما، طويت صفحة الاسلام البطولي وظهر العجز عن مواصلة امتصاص غضب معارضيهما. فبعدما كانت سلالة النبي لا تجد بدا سوى قهر رغبتها في اسناد الخلافة لذويهم و الاعتراف بأهمية عمل عمر في تعريب المشرق و إدخاله الاسلام و اسناد المناصب لمستحقيهم وترفعه عن الثروات والمصالح الشخصية، بدأ يسود الغضب و التهجم، فانفلتت معهما زمام الامن من يد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" بعدما اسندت له السلطة بشورى مزيفة كما حصل مع سابقيه. و بالرغم من متابعته للامور الجوهرية التي عمل بمقتاضاها عمر فيما يخص الفتح بوصفه المشروع الاساسي و حفاظه على البنى الاجتماعية التوزيعية و الترابية المنبثقة عن الفتح، إلا أنه أحدث اختلالات على مستوى تدفق الثروات، فأصبحث الثروة العظيمة تتكدس و توزع على رؤوس قليلة عملا بليبرالية عثمان وإيديولوجيته الاستمتاعية. فكان لتوزيع عثمان للاموال بغير وجه عدل و مساواة و لتعيين اشقائه و ابناء عائلته ولاة وعمالا على البلدان المفتوحة بالرغم من انهم لا يتوفرون على الامتيازات التي تؤهلهم لاعتلاء تلك المناصب بالمقارنة مع آخرين ذو سابقة في الاسلام و الصحبة، كان لذلك -و لعوامل اخرى تتجلى في نقضه لتعاليم النبي- ظهور مطاعن كثيرة واستياء في صفوف المسلمين خاصة علي بن ابي طالب وأتباعه كالعباس أبو سفيان و خالد بن سعيد بن العاص، فاعتبر الرأي العام عموما نظام عثمان فاسدا،فبلغ الغضب ذروته مما أدى إلى الهجوم عليه في قصره بالمدينة و اغتياله بتهمة الارتداد عن الاسلام و السنة النبوية دون اعطائه فرصة العمل بما وعد من تحقيق للمطالب و العدول عن التجاوزات( هنا يؤكد جعيط على تناقض شهادتين، الاولى تقول بموافقة عثمان على مطالب محاصريه وأخرى تذهب إلى العكس حيث تمادى في عناده و رفض كل تفاوض).
     اغتيل عثمان بن عثمان أبشع اغتيال في التاريخ الإسلامي واعتبره معارضوه (القراء) بمثابة انتصار كامل للإسلام، لكنه في الحقيقة لم يكن كذلك، بل كان بمثابة تمزق شرس لتعاليم الاسلام الحق، تناقض في الرؤى إلى الدين بتوجيه من ايديولوجيات مختلفة،  فإذا نظر إلى مقتل عثمان كفعل شرعي مباح بل و واجب في حق كل من تجرأ على تغيير السنة النبوية و سيرة الخليفتين الاوليين، فإن هناك من رأى أن في ذلك انتهاك لحرمة الانسان الذي أعزه الله، و أن القتل حرام وجريمة في حق خليفة وعد ولم ينكث، ولا مبرر لقتل عثمان إذن، و بهذا سوف تظهر السلالة الأموية و سينقسم الإسلام إلى سنة و شيعة ، سيؤدي إلى الفتنة والحروب الأهلية و العنف الفتاك داخل الأمة الاسلامية ،وسيتشكل ثلاثي سيطلق عليه اسم "ثالوث الجمل" كعنوان لأهم الإنشقاقات السياسية و المذهبية الكبرى وهو مكون من عائشة أرملة النبي، طلحة و الزبير و الذي اعتبر أن الرد على مقتل عثمان واجب، وكذا التصدي لعلي بن ابي طالب الذي ارتقى إلى سدة الخلافة بعد مبايعته دون آليات الشورى التي وضعها عمر ،و بالرغم من كون علي لم يتواطأ مع القتلة(38ه)، و لكن رغبة علي في الاستيلاء على الحكم وعدم مبالاته لرضى كبار الصحابة على ترشحه جعل من الوضع يزداد تأزما وخطورة ،ولم تدرأ بطولته في المعارك النبوية الكبرى و استقامته و حماسته الاسلامية عنه خطر الانقلاب و تهجم رافضيه و مخاصميه في الكوفة و الشام حيث الوالي معاوية بن ابي سفيان بالأخص.
  ثالوث الجمل نسبة للثلاثي القادم من مكة و المطالب بالثأر لدم عثمان و المثير بذلك للفتنة الأولى مع "معركة الجمل" تحت يافطة الاصلاح الديني والقضاء على الشر و المطالبة بدم المظلوم عملا بقاعدة "النفس بالنفس". فكان الهدف ظاهريا هو ملاحقة قتلة عثمان استنادا للواجبين القرآني و السياسي، و لكن و في نفس الآن ، ثمة سبب ضمني يحرك الحملة الإقناعية للانتفاضة، يتمثل في فكرة الحرب ضد علي واسناد الخلافة لطلحة أو الزبير.فاستُهل الهجوم من أرض العراق وبعد الاستيلاء على البصرة من طرف الثلاثي و في المقابل الحصول –بعسر-على ولاء الكوفة لصالح علي بالرغم من معارضة واليها "ابو موسى الأشعري" له. بعد المواجهات الدموية العنيفة التي حصدت المئات ان لم يكن الآلاف من الارواح في "معركة الجمل"، وبعد الإيديولوجيات المختلفة و المنتشرة في صفوف العراقيين (البصريين و الكوفيين) مع تواجد تيارين قويين الأول تترأسه عائشة و الثاني علي ، ستظهر موجات الاجتذابات و الإنشقاقات و التحريض بين تأييد و اعتراض تحت شعار "الإصلاح" دائما ،مما سيعطي الانطلاقة الفعلية لاندلاع الفتنة و اللحروب الاهلية ليكون اهم مظاهرها المثيرة للدهشة هو انقلاب مقاتلي عثمان (القراء و جماعة من السياسيين) على علي ، فبعد التباس موقفهم مع عثمان و مناصرته في بداية الامر ثم اشعال نار الثورة و التمرد عليه، يأتي الدور على علي ليجبروه على التقدم للخلافة و من تم معارضته و القطع مع سياسته نهائيا بعد قرار إقامة جنازة مرموقة للمقاتلين الخصوم في "معركة الجمل" التي انتهت بانتصار علي و إصابة الجمل الذي كان يحمل عائشة كنهاية المبتغى وكدليل على النصر،ثم ولاء البصرة لعلي بعدما كان مناصرة لعائشة.
لم  توقف حملة الصراعات بعدما مني الثالوث بالفشل ، بل وجد علي نفسه امام الاموي معاوية والي الشام من عهد خلافة عثمان، مشكلا حزب العثمانية كثاني حزب في الاسلام بعد حزب القراء و مستعينا بعمرو بن العاص بعد اجتذابه لناحتيه و وعده بمنحه ولاية مصر حال فوزه بالخلافة. فتطور الصراع بين علي و معاوية بعد محاولات الهدنة الفاشلة محاولا معاوية اقناع الرأي العام بتورط علي في مقتل عثمان ومستندا على شرط الشورى في الانتخاب، فمن الواجب إذن تنحيته و تنصيب خليفة مكانه ، الشيء الذي جعل علي يقرر خوض المعركة مرة اخرى في اتجاه الشام ، فتوج هجومه هذا بـأشد المعارك غرابة في التاريخ، إنها "معركة صفين" التي أبت ان تنحاز لكفة دون أخرى، ففضلت الحياد دون نصر أو غلبة للطرفين، وكانت بمثابة فرصة للحديث بمنطق المصحف عوض السيف، وهكذا كان الانسحاب و التوقف عن المعركة استجابة لدعوة الكتاب المرفوع بيد معاوية امام اعين العراقيين( الخصم).
قبل علي و معاوية وقف المعركة، واتفقا على صيغة للتحكيم تستتبع مجريات المقابلة الحربية قصد الفصل في قضية قتل عثمان و الترشيح للخلافة، وبالفعل جرى التحكيم لكن الوقاحة السياسية و المكر الشيطاني اللذان عرفا بهما معاوية جعلانه يتربص من أجل جعل ابي موسى الأشعري(الرافض لبيعة علي) طرفا في التحكيم لتمثيل علي في مقابل ند معاوية "عمرو بن العاص" ،الشيء الذي سيجعل الكفة تميل لا محالة لصالح معاوية ، فلم يجد علي سبيلا سوى الانصياع للاختيار من اجل المحافظة على ما تبقى من السلطة . اضطراره للقبول جذب غضب القراء وانتفضوا ضده بحجة ان لا مجال للسير وراء رجل قاتلوا من اجله في "صفين" يتنازل عن لقبه امام معاوية بهكذا سهولة ويفضل الهدنة مع فئة اعتبرها القرآن "باغية"، فالحكم بالنسبة للقراء في حق معاوية صادر من القرآن، فانشقوا عن علي وخرجوا عن سياسته و عن "المدينة الكافرة " فسموا ب"الخوارج". ولم ينته الامر عند الانشقاق و الانفصال عن علي فقط بل تمادى تطرفهم الثوري و غلوهم الديني الذي يعتبر كل مختلف عنهم كافر فطلبوا من علي الاعتراف بكفره وإعلان توبته في الوقت الذي لم يكن علي يفكر سوى في استئناف الحرب على الشام بعدما تعرض للجرد و التجاهل في التحكيم، لكن ثمة أحداث غير متوقعة ستغير مسار المجريات و ستجعل عليا يرتكب مجزرة في حق الخوارج من اجل ابادتهم و تنحيتهم في معركة "النهروان " ردا على الجريمة المرتكبة في حق ابن صحابي مشهور وزوجته بعدما ذبحوه و بقروا بطن زوجته.1
إنها معادلة صعبة الفهم و التفسير إذا ما علمنا أن الخوارج الذين كانوا قراء في الأصل هم حلفاء عثمان و مقاتلوه أيضا،و ماداموا هم مقاتلي عثمان فهم حلفاء علي و يشكلون لب الخلاف مع معاوية لنصرة علي، لكنهم و في آخر المطاف سيُقتلون على يد علي ،نصيرهم و حليفهم السابق !! لكن علي كان مضطرا لذلك لان الوضع كان مريرا وسيصبح النصر حزينا، فلم يكن الموتى(الخوارج) سوى أبناء عشيرته وعشيرة الكوفيين المنتصرين، و لذلك وجب على الاقل إقامة جنازة للقتلى و نقل الجرحى الى مدينتهم للعلاج... و هذا بالضبط ما فعله علي ... انه مثال للتساكن و الرفقة الحربية اذن !! لكن عليا مازال فوق الجسر الآيل للسقوط ، ورغم انتصاره على عائشة ثم الخوارج ، مازال مهدد من طرف معاوية، المنافس القوي ذو الحس السياسي العميق و الرؤية الاستراتيجية الثاقبة،إنه إذن عنصر آخر من عناصر الفتنة، أو بالاحرى الوجه الجديد للفتنة الذي سيمنح لمعاوية نفودا اكثر و سيستولي على مصر بعدما كانت تحت امرة علي في "معركة المسناة" سنة 38ه/685م، و من تم محاولة تثوير البصرة من الداخل، القاعدة الاقليمية لعلي لكنه فشل، ثم كسب اليمن بفضاعة وبعد احداث مأساوية احدثتها الغارات و الحرائق و الذبح إلى غير ذلك من مظاهر الفتنة البعيدة كل البعد عن عقلانية التحكيم و نظام المعارك.
لم يستطع معاوية اهزام عليا كليا ليتمتع بعظمة المؤسسة الخليفية، ولكن كان له ما أراد بعدما أغتيل ثالث الخلافاء الراشدين، علي بن أبي طالب،بسيف عبد الرحمان بن ملجم بعدما اتفق مع اثنان لقتل الثلاثي الذي يرونها سبب تمزق اللأمة الاسلامية، علي بن أبي طالب، معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص، لينفذ الاغتيال في حق الاول و ينجوا الاخيرين منه. فقتل علي كان بمثابة عقبة و أزيحت أمام مشروع علي الطموح خاصة مع الخليفة الشرعي لعلي،الشاب الساذج الحسن الذي تنازل له عن الخلافة كحل سلمي يرى فيه كل الخير لأمة محمد(41ه/661م).
مع رحيل علي ستنتهي الخلافة الراشدة كامتداد للنبوة، و ستنتهي الفتنة المتعددة المظاهر، و ستعيش الأمبراطورية الاسلامية تحت سلطة أمير مؤمنين جديد، معاوية، وستبقى ذكرى الاغتيالات السياسية وصمة عار على جبين التاريخ الاسلامي. فالدياليكتيك الخطير المقدم من طرف صاحب الكتاب إنما يستمد عناصره من مجريات الأحداث التي يطغى فيها السياسي على الديني حينا ،والديني على السياسي أحيانا،و التنظيم الاستراتيجي على الماضي الديني تارة ثم الماضي و الاحقية الدينية على العبقرية السياسية تارة اخرى.مجريات كلها تصب في نهر واحد، نهر الارتقاء الى سدة الحكم و الاستيلاء على السلطة .
بقلم : ابتسام هاشمي
1 رواية مذكورة عند ابو محنف و البلاذري. يذكر جعيط ان علي لم يقدم على القتال إلا بعد عدة محاولات وفرص أتاحها للخوارج لكي يتراجعوا و يتخلوا عن موقفهم التمردي العادائي، وكان في البداية لا يطالب إلا بتسليم مقاتلي عبد الله بن خباب  بن الأرث، دون قتال جميع الخوارج ليتمكن من تغيير الوجهة إلى الشام.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

أرشيف المدونة الإلكترونية

y ©

  • ب جميع الحقوق محفوظة privacy-policy سياسة الخصوصية | cookies privacy-policy