صفحتنا على الفيسبوك

جاري البحث عن زوجة:... المحاولة 22 _ سعيد تيركيت

أسد في سرير العشيقات وفأر في ليل الزوجات...

الفراش واسع وثير، يحتل نصف مساحة الغرفة. الليل يتسلل من خلف الستارة الشفافة. آفاقه الغامضة تمتد في كل ركن منها... خديجة ترقد يقظة في عتمته الخافتة جدا. كتفاها عاريتان يشع بياضهما في سواد الليل. شعرها الغزير يغطي رأسها المدفون في المخدة. زوجها إلى جانبها على الفراش، يتقلص حين ينام مثل نملة صغيرة. وهج أنفاسه الدافئ يلفحها. يسري كاويا منبها في كل امتدادات جسمها، كأن حرارته التي فيه أقوى من أي شيء يمكن التقاطه. تلتوي، تنفتح، تتململ، ثمة اندلاعات غريبة تنبعث من دمائها مهتاجة، تتوئب مشتعلة في حنايا جسمها الوثير. تأجج شهوات سنواتها العجاف.
ترفع رأسها قليلا عن المخدة، عيناها تتجهان إليه، إنه ملتف على نفسه، في نومه الكامل؛ تنظر إلى الصفحة الجانبية من وجهه المائل نحوها، تتأمله كما لم تفعل من قبل. شعر قليل في قمة رأسه، أنف لا يخلو من ضخامة، شامات متناثرة على جلد وجهه ورقبته، زغب رقيق يعلو شفته العليا.
تتفكك في مكانها في توازن حرج، من حرارة اللحم الحي الكائن بجانبها؛ يحيرها نومه الذي تراقبه، التفافه المحكم داخل الغطاء، تنفسه المنتظم الذي يصدر عن كامل جسمه الممتلئ. تريد أن ترى تلافيف ما يريد إخفاءه عنها ومنعه عليها؛ منذ مدة لم تر جسمه بنتوءاته تلك، كذلك لم تر شهوته ولم تعرف ماذا حل بها؟... 
تصعد المرارة من مكانها الخفي السحيق. تحس طعمها القابض في حلقها... ليالي طويلة مرت عليها مؤرقة تشتعل شهوة وحياة وهو نائم إلى جوارها يشخر، معلنا صيامه الجنسي عن جسدها. الآن، حين تتذكر ترى أشياء أخرى، كأنما تنقشع عن ذاكرتها غشاوة. ترى جرح أنوثتها مفتوحا متأججا. خسارة نفسها مع زوج نسي كل شيء عن متعتها... حتى حين كان يقترب منها بعد كل محاولاتها للإفصاح عن رغبتها ويحاول أن يرضيها، لم يكن يرضيها في معظم الأحيان، ولعله لم يرضيها أبدا؛ فحين تعلن رغبتها عارمة، تترك له الفسحة اللازمة ليدللها، يسبقها، يقطع عليها زهو نشوتها دون أن يتابعها، يلحق بها، يطيعها على نحو ما تشتهي، كأن ما يفعله بها ومعها لا علاقة له بالجنس أو مضاجعة النساء...
أحيانا كثيرة كان يقبلها قبلات مسروعة لاهثة، أحيانا يلتصق بها في المطبخ أو الحمام دون أن تتوقع منه ذلك. يحرك جسمها فتنصاع، لا تتمهل في طاعته والإحتفاء برغبته. تنسى نفسها وتتماهى مع لذته كي يزداد نشوة بين يديها، كأنما تؤدي واجبا ملحا عليها. لكن رغباته هذه راحت تقل، تنشف، تتعقم، كأنما هرمونات الذكورة التي تنظم أجساد الرجال قد تعطلت لديه، أو طارت عقاربها في اتجاه أخر... تراه، يخونها ويفرغ رغباته البركانية في أماكن أخرى... أم أنه كأجداده الذكور: أسد في سرير العشيقات وفأر في ليل الزوجات؟... 
الغرفة حارة. خديجة تتقلب في حمى ليلتها، عيناها الواسعتين المضيئتين بالشبق تنظران إلى جسمه المسور بالغطاء. تحاول ابتلاع غضبها من استمراره في النوم؛ تعرفه حين لا يكون راغبا في مضاجعتها، يكوم رجليه، يحكم إغلاق منافذ جسمه، دون أن يفرد أعضاءه أو ينفتح على حرارة ما، كأنه ليس في حاجة إلى شيء، وكأن جسمها ليس بكامل عدته المثيرة على الفراش...
تحار أين تضع هذا الرجل الذي لا يشتهيها لا الليلة ولا ليالي كثيرة مضت... ماذا تفعل كي تكون قريبة من ذكورته السريعة النفور. يحزنها، أن يكون هكذا، بقربها وهذه الرغبة المحمومة تتخبط في كل امتدادات جسمها...
عبثا تتحمل عبثها الخاص الثقيل... النار المندلعة تتسع، داخلها حادة لاسعة، تستنفذ منها كل طاقة... قلعة التماسك تتهاوى. تقوم إلى أعلى من رقدتها. ترفع عنها الغطاء الحريري. تضربه على الأرض... لا شيء يبعث الدفء في الجسم الذي لا شك قد ناء تحت ثقل ذكورته النافرة المتملكة...
نعم، هذا الجسد المحتشد بأسرار ضعفه، ماذا يعرف عن شهواته السخنة ومخابئه الطرية؟؛ لاشك يعرف كآبة وحشته، مرارة عزلته، حريقه من حسه بالوحدة؛ وأن الزمن يمر عليها كامرأة يعطلها، يعقمها، وينشف من جنسها...
تستدير إليه في تطلب حميم. خيل إليها إنها ستنهار في أي لحظة... اللعنة... أي قسوة... كل عضو فيها يطلبه، يناديه... وجهها ينحني عليه، تميل إليه ميلا لا يحسه، كتفها العارية تكاد تلامس كتفه، فمها ليس بينه وبين فمه نصف المفتوح سوى بقية من إرادة. تريد من هذا الرجل الذي يتمدد إلى جانبها خشنا جافا أن يهب لهذا الجسد الساخن صحته، قوته، حياته كلها. يكفر عن ذنبه الذي لا يعرفه ولا وقت لديه ليفكر فيه... شهقة مكبوتة تخرج من بدنها الملفوف، تصعد إلى حنجرتها... تناديه باسمه، العربي، ندائها الخافت من غير صوت: افتح عينيك... افتح... كل ما ينغلق فيك... اقترب مني... غيبني بين ذراعيك... ازرع عنفوانك تحت جلدي... ألا تشعر بارتجافة كياني... بتوقد رغبتي... ألا تعرف ما يعنيه شقاء المرأة حين يداهمها جوع الحب، أي شقاء وأي جوع؟...
يغص حلقها، انفعالها المتوهج لا يقع على شيء ولا يمسك بشيء... إنه غارق في أبخرة النوم، لا يتحرك من نومته أدنى حركة، ولا يحس انعطافا أو حنانا نحوها...
تظل خديجة في حركة تمددها، تتقلب على حافة سريرها اللاهث، عيناها المدورتان المشعتان في عتمة الغرفة، تحيطان بعظام وجهه الحادة ورأسه الساكت المغمض العينين، تحاصرانه مضطرتين محتشدتين بالجوع والجنون والمضض، كأنما تستجديان من هذا الشريان الملفوف عصارة البقاء...
خاطر مجنون يوغر في صدرها، أثاره الحرمان المفروض عليها، إحجامه عن الإقتراب منها... تهتز في توتر إلى الحد الذي قد تطلبه منه دلك والآن... لكن... هل تجرؤ؟...
إن كل النساء يحلمن برجل يشتهيهن، يخترعن الأعاجيب للحصول على ذلك الإحساس الحار الخصب، ولا يعبأن بإخفاء ما يشعرن به... لماذا لا تكون واحدة منهن وتفعل كل ما تمليه عليها رغبتها... ما المانع أن توقظه لتخبره أنها تريده وتشتهيه؟... ما وجه العيب في ذلك؟... أم أن على المرأة أن تظل سلبية في علاقتها بالرجل، وحبيسة رغبتها كي لا يقال عنها بغي ولعوب؟... لنفرض أن زوجها لوح جامد، لماذا لا تمد يدها وتحركه؟... لماذا لا تبدأ هي وتفرض عليه أن يتجاوب معها... من قال أن هذا دوره وليس دورها؟... أليس لها جسد له متطلباته واحتياجاته؟... أليست غريزتها جزءا من أحاسيسها ويجب إشباعها؟...
تَهمُ أن تهتف به، أن تزعق فيه كي تكلمه وتطلب منه أن يبرها، يعوضها، حتى تستريح وتتغطى وتنام. ترفع وجهها مضرجا لامعا من العرق، متوهجا بشتى الانفعالات الجائعة المحرومة. تشعر فجأة أن لا طريق يقود إليه، فهو في معزل عنها، بعيد ومنفصل في نومه العميق، كأنه يريد أن يريها زهده بكل ما يتعدى رغبتها المحتسبة الراكدة.
عيناها ترتدان عنه، دون أن تعرف إقناعا لشهوة غامضة ترقد في أحشائها. تروح تبحث عن شيء ناقص في نفسها، في جسمها، شيء محموم يتواتر اشتهاؤها إليه، ولا تجرؤ أن تطالب به، كي تستعيده عليها أن تكون مع رجل يموت على رائحتها، يعيش في حلم دخوله عليها. رجل حساس عاطفي يعرف كيف يذيب المرأة بين ذراعيه كقطعة الزبد؛ وهي لم تخن زوجها من قبل، لا تدري ما الذي منعها من خيانته؟... لماذا لم تتجه نحو رجل آخر لإشباع هذا الجوع الذي تحس به، وتنتقم من زوج يشعرها بأنها ليست أكثر من جذع شجرة جافة؟... هل هو الضمير أم الإحساس بالمسؤولية أم الألفة التي تسببها العشرة الطويلة أم الخوف من ألسنة الناس وسياطهم؟...
تعضُ شفتيها بأسنانها العليا. تزفر بكلمات غير مسموعة. يا للافتراء! عندما يخون الرجل زوجته يلومون المرأة، يقولون أنها لم تعرف كيف تحتفظ به وتشبع أحاسيسه؛ وعندما يحدث العكس، يقولون إنها قذرة عديمة الأخلاق لم تراع الشرف والتقاليد، وزوجها الرائع خسارة فيها. ينسون أن الزواج في هذه البلاد يجيع المرأة أكثر مما يشبعها...
تنتبه إلى حمقها فجأة، وحمق الخواطر الهاذية. بحركة خاطفة تسدل قميص نومها على جسمها المشتعل، تنزلق إلى جانبه تحت الغطاء الخفيف. تكوم ساقيها، تنكمش على نفسها؛ رأسها يختبئ في حضنها؛ ذراعيها ملتفتان حول صدرها، تشده لجام شهوتها، تفعل كل ما يمكن أن يقمع رغبتها المتزايدة على نحو مجنون إلى جسده. تعرف أنها لن تطاله ولن تستطيع الاقتراب؛ وهذه الرغبة ستظل أبدا ضالة، ضارعة، جائعة لا تعرف الرضا...
ترقد مكومة في سخونة انتظارها له. تنظر إليه من فوق، بعينيها الصامتتين المعاتبتين في إنكار... ها هي أمامه، معه، تنتظره على أنه السيد... تنتظره برحمها غير المرتوي.... حين يرغب و يريد...

سعيد تيركيت
الخميسات - المغرب - 30 / 09 / 2015 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

أرشيف المدونة الإلكترونية

y ©

  • ب جميع الحقوق محفوظة privacy-policy سياسة الخصوصية | cookies privacy-policy