صفحتنا على الفيسبوك

تحميل كتاب: في أصول بلاد البربر، ماسينيسا أو بدايات التاريخ، تأليف غابرييل كامبس

في أصول بلاد البربر، ماسينيسا أو بدايات التاريخ، تأليف غابرييل كامبس وترجمة د.العربي عقون
غابرييل كامبس Gabriel Camps مؤرخ فرنسي ، من مواليد 20 ماي 1927 بالجزائر ، وتوفي بفرنسا في 7 سبتمبر 2002 .




العربي عقون 

الكلمة التي ألقيناها في ندوة تقديم الترجمة(*) العربية لكتاب :
في أصول بلاد البربر : ماسينيسا أو بدايات التاريخ (**) 

في البداية نعبّر عن عظيم عرفاننا للمجلس الأعلى للغة العربية، هذه الهيئة الموقرة التي استقبلت عملنا المتواضع بحسن الرعاية وتكفلت بنشره ليصل إلى الجمهور العريض من القرّاء لتعميم الفائدة المرجوة منه، وها هي اليوم تشملنا بهذا التكريم السخي في حضرة هذه النخبة من سامي الشخصيات الوطنية من خيرة أبناء الجزائر، من صانعي مجد الجزائر وعزّتها، هذه النخبة المباركة وفيها أساتذتنا وقدوتنا : الأستاذ الامين ابشيشي والدكتور السعيد شيبان والدكتور عثمان سعدي والأستاذة الأديبة زهور ونيسي، لا يسعني إلا أن أنحني أمامهم احتراما وتقديرا لنضالاتهم الممتدّة في الزمان والمكان أمدّ الله في أعمارهم ومتّعهم بالصحة والعافية.
كما لا يفوتني أن أنوّه بالجهود التي ما انفكّ يبذلها الأستاذ الدكتور العربي ولد خليفة رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في خدمة الثقافة الجزائرية عموما ولاسيّما في خدمة أحد أهمّ أركانها ممثلا في اللغة العربية على الخصوص؛ هذا الوعاء الذي يحفظ لأمتنا تراثها ويصون لها دينها وانسجامها. وبعد هذه الكلمة اسمحوا لي أن أمرّ إلى صلب الموضوع :
نودّ أوّلاً التعريف بإيجاز بمؤلف الكتاب الذي نقدم اليوم ترجمته إلى اللغة العربية وهو الأستاذ المرموق غابريال كامبس (1927-2002) فهو ابن بلدة امْسَرْغين (وهران) درس المرحلة الثانوية في وهران والجامعية في كلية الآداب بجامعة الجزائر ويعرفه جيل الستينات من زملائه الجزائريين الذين درسوا معه في كلية الآداب بجامعة الجزائر، وفيهم من تولى مناصب رفيعة في الدولة الجزائرية المستقلة كما تولى هو الآخر مناصب إدارية علمية في الجزائر المستقلة كان آخرها منصب مدير معهد الأبحاث الصحراوية.
قدّم الأستاذ غابريال كامبس أطروحة رائدة في مجالها عن فجر التاريخ في الشمال الأفريقي القديم وأثبت بالأدلة المادّية ثراء هذه الفترة بآثارها وخاصة المدافن الميغاليثية وهو ما يمكِّننا اليوم من كتابة جزء هامّ من التاريخ الذي لم تدوِّنْه المصادر الأدبية، وكانت أطروحة الأستاذ كامبس بعنوان كبير هو : في أصول بلاد البربر (Aux origines de la Berbérie) وتحته عنوان فرعي هو : المعالم والطقوس الجنائزية البروتوتاريخية (les monuments et rites funéraires protohistoriques)، أمّا الكتاب الذي هو محل عملنا فهو بحث مكمّل وضع له عنوانا فرعيا هو : ماسينيسا أو بدايات التاريخ (Massinissa ou les débuts de l histoire)، وكان هدفه هو أن يربط حلقات تاريخ المنطقة بعضها ببعض، ليثبت بالأدلة بأنّ الشمال الأفريقي القديم دخل التاريخ بجهوده وإبداعاته كسائر البلدان الأخرى في المنطقة المتوسطية وأنّه في هذا المجال لا يدين بشيء للآخرين وليس كما دأبت عليه الكتابات التقليدية التي تقول بأنّ بحارة صور هم من أدخلوا المنطقة خضمّ التاريخ، وأنّه إن كان هناك من دور للفينيقيين فإنه يكمن في الاحتكاك الحضاري الذي كان عامل إثراء وليس عملا تأسيسيا كما تصوره بعض الكتابات المغرضة التي تجرّد قدماء الشمال الأفريقي من أي إبداع حضاري وتصفهم بالسلبية والقصور وهذه الكتابات هي التي نظّرت وفسرت تاريخ المنطقة واختصرته في عبارة : استعمار يطرد استعمارا.
تأتي ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية متأخرة نسبيا، فقد صدرت طبعته الفرنسية الأولى ضمن سلسلة ليبيكا في العام 1960 ، والكتاب في الأساس هو بحث مكمّل لأطروحة جامعية، كما ذكرنا، ممّا يزيد من أهمّيته، ورغم صدوره منذ نصف قرن، إلاّ إنّه ظلّ غير معروف خاصّة في أوساط الأجيال الجديدة من طلبة التاريخ بسبب حاجز اللغة.
هذا العمل غني بمعلوماته جريء في طرحه، بحيث لم يترك المؤلف أيّ مصدر أو مرجع يتعلق بموضوع بحثه إلاّ وعاد إليه فضلا عن الأبحاث الأثرية واللغوية،وفيه محاولة جادّة لإبراز هوية المغرب القديم التاريخية والحضارية ويمثّل تحوّّلا كبيرا ضمن سياق الأبحاث والدراسات الفرنسية التي أنجزت عشية استقلال الجزائر، ولذلك حرصنا على أن تكون النسخة العربية شاملة تضمّ الإحالات على المصادر والمراجع وبذات الأرقام كما هي في النسخة الأصلية "الفرنسية" لمساعدة الباحثين على الخصوص.
لم نكتف بترجمة نص الكتاب بل قمنا بدراسة تحليلية نقدية لمضمونه في ثلاثة فصول عالجنا فيها بعض القضايا المطروحة فيه، وخاصّة ما يتعلق بمنظومة الأفكار الكولونيالة التي ظلّت تغتني بكتابات وأبحاث العسكريين في البداية ليستلم منهم المهمّة لاحقا أكاديميون كرّسوا قدراتهم العلمية لخدمة تلك المنظومة.
الترجمة في حقل الدراسات التاريخية بالذات تسهم بدرجة كبيرة في عبور المعلومات والأفكار والرؤى في الاتجاهين لربط الصلة بين النخب، وهو ما يسهم في الانسجام الفكري الذي يعزز الهوية الوطنية، لأن التناقض يكون في منظومة الأفكار لا في اللغات، ومن شأن الترجمة كما هو معلوم أن تسهم في توحيد المرجعيات والأسس الفكرية وأن تقرّب بين الرؤى لدى نخبنا ودارسينا. واليوم ونحن نمتلك إرادتنا الوطنية جاء دور تحرير تاريخنا من السياق الذي وضعته فيه بعض الأقلام غير الموضوعية، وما الترجمة إلاّ إحدى الأدوات الفعّالة، في سبيل تحقيق تلك المهمّة الوطنية النبيلة التي ما انفكّ المجلس الأعلى للغة العربية يضطلع بها على أحسن وجه.
يتوزع موضوع الكتاب على ثلاثة أقسام ، الأول عن الأفارقة قبل ماسينيسا والثاني عن عهد ماسينيسا أي فترة حكمه وعنْوَن القسم الثالث وهو الأخير بـأسطورة ماسينيسا، وانطلق من أقدم النصوص الأدبية التي أرخت للمنطقة وهي نصوص هيرودوت (القرن الخامس قبل الميلاد) وسالوست (القرن الأول قبل الميلاد) للإجابة على سؤال محوري وأساسي هو ماذا تقول النصوص؟ في شأن أصول قدماء الشمال الأفريقي الذين سمّاهم أفارقة مع أنّ اسم أفريقيا وأفارقة بدأ في الظهور والانتشار منذ بداية الاحتلال الروماني ليحل محلّ تسمية الليبيين الواردة في المصادر الإغريقية.
استقرأ النص السالوستي واستنتج بأنه يروّج لرواية أسطورية ذات حبكة إغريقية تتحدث عن البطل هيراكليوس وجيشه من الميد والفرس واستخلص بأنها تفتقر للمصداقية ولعلها – مع أنه لم يصرح بذلك - إحدى أدوات الدعاية الاستعمارية الرومانية، أمّا النص الهيرودوتي فقد تتبع المؤلف ما ورد فيه عبر الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة التي تثبت ما ورد فيه – مثل طقس النوم على قبور الأسلاف، و"معركة" العذارى المستمرة إلى اليوم في الاحتفال الفلكلوري المسمّى "عيد الملح" - ثفاسكا ن تيسنت Tfaska n tisent- وهو حفل يقام كل سنة في مدينة غات الليبية (مدينة تارقية غير بعيدة عن مدينة جانت الجزائرية).
في النص الهيرودوتي إشارة إلى انقسام قدماء الشمال الأفريقي إلى مزارعين مستقرين ومربّي حيوانات متنقلين، وهو الوضع الذي استمر عبر القرون ، ولذلك استنتج المؤلف أن المعلومات الهيرودوتية تحوز على مصداقية أكثر، وفي هذا السياق وهو يبحث في أصول قدماء الشمال الأفريقي قام بجرد كل المسميات - المتعلقة بالبلد وبسكانه - الواردة في المصادر الإغريقية واضعا جداول تفصيلية، ليقدّم الدليل على وجود اسم مازيغ منذ القديم وبصيغ متعدّدة وهو دليل يفنّد ما يروّج له بعض المؤدلجين حديثا من أنّه اسم مستحدث أو أنه في أكبر تقدير اسم ظهر مع ابن خلدون في الرواية التي تتحدث عن إسلام زعيم زناتة صولات بن ِؤزمار في حضرة الخليفة عثمان بن عفان حين أجاب على سؤال الخليفة بأنّ قومه ينحدرون من سلفهم الأعلى مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح. 
في محور أصول الفلاحة "الأفريقية" قام بدراسة كل نتائج الأبحاث الأثرية في المنطقة وقدّم الأدلة التي لا تقبل النقض على قدم النشاط الفلاحي في المنطقة وعلى أنّه سابق بكثير على وصول بحارة صور إلى السواحل الأفريقية وإلى جانب المعطيات الأثرية استعمل المعطيات الألسنية أيضا فالمحاصيل الزراعية من حبوب وثمار تحمل أصالتها وهويتها في أسمائها وأنّ التي تحمل أسماء ليبية (أمازيغية) لا ريب أنّها أصيلة المنطقة لأنّ السلع والمنتجات الوافدة من خارج البلاد تأتي معها بأسمائها وفي الأخير توصّل إلى أنّ القمح والشعير (في زراعة الحبوب) والزيتون والتين والعنب ... (في الزراعة الشجرية) هي من صميم المحاصيل الزراعية الأفريقية ولا يدين قدماء المغرب بالفضل لأي جهة خارجية في هذا المجال.
أمّا فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي وفي فترة لا نجد لها ذكرا في المصادر الأدبية لأنها سابقة لظهور الكتابة فقد سلك المؤلف منهجية ذكية تقوم على استقراء كل ما جادت به الأبحاث الأثرية من فخاريات وحلي وأسلحة وكذا مضامين الرسومات الصخرية والمعالم الميغاليثية ... لاكتشاف جوانب من الحياة الاجتماعية لقدماء المغرب، خاصة في الفترة البروتوتاريخية الممهدة للفترة التاريخية، وهو ما عبّر عنه بقوله بصمات تنظيم اجتماعي ليستنتج من ذلك وجود سكان مستقرين مزارعين في مختلف جهات الشمال الأفريقي وعلى الخصوص في القسم الشرقي الذي يطلق عليه اسم بلاد الماسيل وأيضا في سهول المغرب الأطلسية حيث تمركزت القوة المورية.
مهّد للقسم الثاني من الكتاب بمدخل حاول فيه - من خلال استقراء مختلف الآثار التي كشفت عنها الأبحاث الأثرية - استجلاء ملامح الطابع الإقليمي في بلاد البربر البروتوتاريخية، ليرصد التحولات التي حدثت على امتداد فترة طويلة عبّر عنها بعنوان رئيسي هو من شعوب فجر التاريخ إلى الممالك التاريخية.
استخلص المؤلف فكرة الطابع الإقليمي من المميزات الأثرية لكل منطقة فهو في شأن "البربرية الشرقية" يتحدث عن بلاد الدولمان وبلاد الحوانيت والمناطق الكبرى للقبور الميغاليثية في المرتفعات، ليستخلص منها أشكال الطقوس الجنائزية من خلال طرائق الدفن ومن الأثاث الجنائزي وعلاقة التأثير والتأثر مع شعوب البحر المتوسط من خلال فجر العلاقة بالفينيقيين بالنسبة للبربرية الشرقية والعلاقة بشبه الجزيرة الإيبرية بالنسبة للبربرية الغربية دون إغفال التأثير الأفريقي.
وقبل أن يصل إلى موضوع ممالك القرن الثالث توقّف عند الشعوب الليبية الثلاثة : المور والنوميد (الماسيسيل والماسيل) ثمّ الجيتول وإذا كانت وحدة هذه الشعوب ثابتة فإنّ العامل الجغرافي هو سبب الانقسام الذي ترتب عليه ظهور ممالك المور والماسيسيل والماسيل، وفي شأن هذه التسميات عالج مختلف الطروحات الحديثة والروايات القديمة وهو هنا من مؤيّدي الأصول الليبية لكل هذه التسميات.
بالاستناد على المعلومات والإشارات القليلة الواردة في المصادر الإغريقية واللاتينية عن ممالك القرن الثالث ق.م. قام بتحليل تلك الإشارات التي وإن كانت لا تقدّم لنا التفاصيل إلاّ أنّها تثبت أصالة وقدم تلك الممالك التي كان القرن الثالث ق.م. فترة صعود وازدهار لها، وهي بكلّ تأكيد سابقة لتأسيس قرطاج، وفي هذا السياق استعرض الأسر الملكية وأسماء الملوك وصيغ حكمهم وعواصمهم وما يتضمنه كل ذلك من دلالات حضارية هامّة تسمح بافتراض الوضع الذي كانت عليه تلك الممالك في الجوانب التي لم تدوَّن أحداثها ووقائعها.
في الفصل الأخير من القسم الثاني من الكتاب تناول شخصية ماسينيسا وما يَأْسَف له هو أننا لا نتوفّر على شيء من المعلومات عن فترة حكمه خارج النزاع مع أشفاط قرطاج - رغم طولها - سوى إشادة بوليب به وهي الإشادة التي ظل المؤرخون من بعده يكرّرونها، ومن أبرز ملامح الملك التي يمكن استنتاجها من بوليب وتيت ليف وأبيانوس وشيشرون وزونارا : بنيته القوية وقدرته على التحمّل وشجاعته. 
درس اسم ماسينيسا اشتقاقيا (étymologiquement) مؤكّدا صيغته ومدلوله الليبي، مشيرا إلى التحريف الذي ينال الأسماء الليبية عند كتابتها بالإغريقي واللاتيني وقد تتبّع ما يسمّيه توسّعات ماسينسيا شرقا وغربا وهو ما نعتبره نحن بناءً للوحدة النوميدية، وهي الوحدة التي لا تتوقف عند الحدود النوميدية ولكن طموح الأقلّيذ كان أكبر بكثير وهو توحيد كل أفريقيا وجعْل قرطاج عاصمة لها، وهو الطموح الذي وصفه بالاتزان والمنهجية، وهو ما لم يكن خافيا على أشفاط قرطاج ولا على مجلس شيوخ روما، ممّا سيجعل من الأقلّيذ شخصية لا تحظى برضا الطرفين (أشفاط قرطاج وشيوخ روما) اللذين يضمران له العداوة رغم ما حصل من تحالف وتحالف مضادّ، وهو ما لم يخض فيه غابريال كامبس.
لقد استعاد ماسينيسا سيادة مملكته الكاملة على المدن المرفئية في الساحل النوميدي وخاصة مدن الإمبوريا (Emporia) التي فتحت أمامه المجال واسعا للتوصل مع العالم الإغريقي حيث خلّده إغريق رودس وديلوس خاصّة بإقامة تماثيل له، وفي هذا السياق لا يخفي غابريال كامبس تعداد فضائل الهلينة (Hellénisation) على المملكة النوميدية، واصفا الأقلّيذ بالجدارة لأنّه عرف قيمة الحضارة الإغريقية، إلى حدّ استقدامه للفنانين الإغريق إلى مملكته، وتنشئة أحد أبنائه (مسطان والد يوغرطة) تنشئة إغريقية جعلته يشارك في الألعاب الأولمبية (ما بين 168 و 163 ق.م.) ويحرز فيها الانتصار، وهو لا يستبعد أن يكون عدد من أفراد العائلة الملكية النوميدية قد تلقّوا تعليمهم في أثينة التي ظلّت عاصمة للفنون وللذوق الرفيع قرونا طويلة.
في الجانب الاقتصادي، تبرز أعمال الأقليذ التي جعلت نوميديا ضمن أهمّ الدول في حوض البحر المتوسط، فقد توسعت التجارة الخارجية مما أدّى إلى تطوّر العملة النوميدية واتساع تداولها، فقد عثر على القطع النقدية النوميدية في كثير من بلدان حوض المتوسط وخاصة في موقع مازين (كرواتيا) الذي استخرجت منه 328 قطعة نقدية نوميدية.
في المجال الفلاحي، وهو المجال الأهمّ - لأن الاقتصاد النوميدي بل الأفريقي عموما إذا استثنينا قرطاج، ظل اقتصادا زراعيا- ومثلما أنّ ماسينيسا نمّى العملة وحرّر المدن المرفئية من سيطرة أشفاط قرطاج وبذلك أزال الطوق الذي كان يعزل المملكة النوميدية عن العالم الخارجي المتوسطي وقضى على الاحتكارات التجارية القرطاجية، فإنّه نمّى الزراعة وهنا يحفظ له التاريخ حثّه الرحّل على الاستقرار، واحتراف الزراعة بدل الترحال، ولعلّه أوّل من أقام نظام استغلال الأرض ضمن المزارع الملكية الكبرى (Domaines royaux) التي ستشهد توسعا كبيرا خلال الفترة الرومانية، وقد توقف غابريال كامبس مطوَّلاً عند عبارة بوليب (... لم تكن نوميديا مجدية ... وماسينيسا وحده هو من أظهر إمكانياتها الفلاحية ...) - التي يمتدح فيها سياسة ماسينيسا الفلاحية – وبحث في مدى صحّة مضمونها، دون أن يجد ما ينفيها لأن تحوُّل المملكة في عهده إلى مصدّر هامّ للحبوب دليل على أنّ عبارة بوليب - التي لا تخلو في رأينا من مجاملة ملكٍ استضافه - عبّرت عن ازدهار حقيقي عرفته المملكة في عهد الأقلّيذ، وختم المؤلّف القسم الثاني من الكتاب بالإشارة إلى ما سمّاه سياسة ماسينيسا الدينية وفي الأخير وضع جدولا سجّل فيه أبرز الأحداث خلال فترة حكم ماسينيسا عنونه بـمحاولة في التأريخ للأحداث.
يتوزع القسم الثالث المعنون بأسطورة ماسينيسا على ثلاثة فصول عالج في الأول مسألة اعتلاء العرش النوميدي والظروف المحيطة به والأعراف المتحكّمة فيه (القاعدة الأغناطية ومسألة ولاية العهد لثلاثة) وهنا عمل كسابقيه على إعطاء روما الدور الأول في تنظيم انتقال العرش النوميدي إلى ولاة العهد لتأكيد تبعية نوميديا بشكل ما لروما بناء على الدعوة التي وجهها ماسينيسا لسيبيون الإيميلي مع أنّ ذلك لم يكن أكثر من تقاليد بروتوكولية معمول بها عبر التاريخ.
عقد كامبس مقارنة بين ماسينيسا وسيفاكس ولكن وقع في مفاضلة مشبوهة بين الرجلين وهي المفاضلة التي تلقّفها بعض المغرضين اليوم ليتخذوا منها مرتكزا لتنظير مشوّه للتاريخ (***) ، وفي تناوله لشخصية ميكيبسا أشاد بسياسته التي حققت السلم والاستقرار والاحتفاظ بنوميديا قوية وموحّدة، ولكنه اعتبر العمل بتقليد ولاية العهد لأكثر من واحد استمرارا للتقاليد القبلية وفسّر ذلك بعدم ارتقاء المؤسسة السياسية الماسيلية فوق تلك التقاليد، والحال أنّ هذه الأحكام التي يزخر بمثلها عمل كامبس لا تخرج عن إطار الأحكام الشخصية التي تفتقر إلى الحياد والموضوعية. 
حاول في الفصل الثاني المعنون بتناقضات المملكة النوميدية البحث في التاريخ الاجتماعي للمملكة، من خلال التطرق إلى دور القبيلة ومكانتها في المجتمع النوميدي، واستخرج من النصوص الأدبية والأثرية أسماء القبائل وأقاليمها وخاصة كبريات القبائل مثل قبيلة ميسيكير (م س ك ر هـ MSKRH) في ناحية القالة، ونوميدة في منطقة سوق أهراس،والموسولام في إقليم تبسة وحاول- دون الوصول إلى نتيجة- قراءة بعض النصوص الليبية من منطقة الشيفية، أمّا النصوص اللاتينية فقد استند عليها لاستنتاج طريف وهو أنّ صيغة قبائل المخزن المعمول بها في الفترة العثمانية غير جديدة استنادا إلى عبارات واردة في النصوص الأثرية اللاتينية على غرار قبائل موسوني الملكية Musuni regiani المرتبطة بالسلطة الملَكية النوميدية قديما كارتباط قبيلة المخزن بالبايات العثمانيين حديثا ! 
إن وجود قبائل ملَكية وأخرى غير ملَكية دليل على تمايز قد يصل حدّ التناقض وهو ما عبّر عنه كامبس بتناقضات المملكة النوميدية، أي نفي وجود الانسجام في النسيج الاجتماعي النوميدي، وأنّ سلطة الملك المركزية محدودة "... ولا يتجاوز نفوذه حدّ جباية الضريبة والتجنيد من أبناء القبيلة عند الضرورة وما دون ذلك لم يكن يعنيه..." ومثل هذه الرؤى هي التي تنزع إليها كلّ الدراسات التي أنجزت تحت مظلة الاستعمار، ومن الصعب أن يفلت منها حتى كبار الباحثين الأكاديميين.
وفي شأن ما أسماه بعناصر حضارة "نوميدية" سابقة للحضارة البونية حاول تلمّس بعض الجوانب إلاّ أنّه توقّف في نموذج تاجماعت وأمينوكال كهيئات تقليدية، وكان عليه أن ينتبه إلى أنّ استمرار هذه الهيئات على المستوى القروي والقبلي ليس لأنّ مستوى التنظيم السياسي والاجتماعي عند الأفارقة توقّف عند هذا الحدّ ولكن وكأيّ بلد فقد السيادة على امتداد قرون فقد أيضا نظمه السياسية على مستوى الدولة،لأنّ هذه الأخيرة لا يكون لها وجود إلاّ في ظلّ السيادة. 
في إدارة المدن حاول تصنيف الحواضر النوميدية على الخصوص، إلى عواصم ومدن ملكية، ولم يتردّد في وصف جميع المعالم والأعمال الحضارية بأنها بونية إلى حدّ القول بأنّ "... الملوك فشلوا في التوصّل إلى تطوير حضارة نوميدية وشجّعوا حضارة قرطاج ... " مع أنّ واقع الحال يقول أنّ حضارة قرطاج هي ذاتها حضارة نوميديا وأنّ حضارة الشمال الأفريقي واحدة، وما القيام بمقابلة حضارة أرياف نوميدية بحضارة مدن بونية إلاّ خدعة وتزوير للتاريخ. والواقع أنّ التأريخ للحضارة في الشمال الأفريقي القديم في حاجة إلى مراجعة ولعل مسألة الأصول الفينيقية أصبحت متجاوَزة الآن، لكن لا يزال الموضوع يتطلّب المزيد من الجهود العلمية التي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ باستئناف الأبحاث الأثرية. 
في مسألة اللغة، لاحظ انتشار اللغة البونية،واعتبره انتصارا محسوسا لثقافة شرقية على حساب اللغة الليبية إلى حدّ أنّ أغلب النصوص النقوشية الرسمية المتعلقة بالمملكة النوميدية كتبت باللغة البونية،وعلّل ذلك بالقول أنّ أفريقيا كانت منجذبة للأشكال الشرقية من الحضارة، لكن ينبغي في مثل هذه المسألة بالذات القليل من التروّي،فليس من المنهجي والموضوعي الانطلاق من عدد محدود من النصوص الأثرية في مقبرة جالية ما لتعميم انتساب كلّ معْلمة حضارية إلى تلك الجالية، والمعروف أن كل ما هو رسمي يزول بزوال السلطة التي رسّمته ولذلك انقرضت اللغة والكتابة البونية رغم تبني الأفارقة لصيغة منها هي البونية الجديدة(Néo punique) أمّا الليبية لغةً وكتابةً فقد استمرت عبر العصور إلى اليوم في تيفيناغ التوارق وعدد من اللهجات الموزعة في عموم الشمال الأفريقي من سيوة إلى جزر الكناري رغم فقدانها لأي سند سياسي أو عسكري يشدّ أزرها. 
ختم القسم الثالث بفصل خصصه للمعتقدات الدينية، وهو هنا يمزج بين التاريخ ومعطيات الأنثروبولوجيا الاستعمارية التي تهتم بالفلكلور، إلى حدّ اعتبار أن الاعتقاد في البركة المستمر إلى الآن مؤشّر على وجود راسخ للتعبّد للبشر (Anthropolâtrie) في أفريقيا القديمة، وحاول دون طائل جمع الأدلّة من النصوص الأثرية والأدبية بما في ذلك خطابات رجال الدين المسيحي الوعظية لإثبات تعبّد قدماء الشمال الأفريقي لملوكهم إلاّ أنّه يعترف في الأخير بأن التعبّد للملوك الأفارقة لم يكن موجودا في يوم ما،والواقع في رأينا أنّ الأضرحة التي أقيمت لعدد من الملوك لا تخرج عن نطاق التكريم الذي لا يصل إلى التقديس والتعبّد. 
هذه بعض الخطوط العريضة التي لا يمكن في هذه العجالة أن تحيط بكل القضايا والتفاصيل الكثيرة التي سيكتشفها القارئ في الكتاب والتي يمكن أن تكون منطلقا لأبحاث ودراسات من قبل الباحثين المتخصصين لأن كلّ محور فيه يطرح الكثير من الإشكاليات وهو ما سيؤدّي إلى إثراء المعرفة التاريخية، وإذا كان غابريال كامبس - على مستوى تأويل واستقراء الوقائع التاريخية واستنطاق الوثائق الأثرية - قد أطلق العنان لخياله في أحيان كثيرة، فيما يشبه التهويمات (Fantaisies) فإنّه على الأقل جمع مادّة تاريخية أثرية غزيرة يمكن لجيل جديد من نخبة الدارسين والباحثين الذين نضع بين أيديهم هذه الترجمة العربية أن يقوموا بالفرز والتنقيح والتصحيح ضمن رؤية تنطلق من عمق الانتماء إلى جذورنا وهويتنا العريقة، على ضوء الدراسة النقدية التحليلية التي ختمنا بها العمل آملين أن يتلقى جمهور القرّاء عموما هذا الكتاب في نسخته العربية بما هو جدير به من الاهتمام وحسن التدبّر.

ـــــــــــــــــــــ
(*) وهذه الترجمة هي العمل الذي نلنا به االجائزة الأولى التي يقدمها المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر وقد قام المجلس مشكورا باصدار النسخة العربية في طبعة اولى نفدت وطبعة ثانية 
(**) صدر الكتاب ضمن سلسلة ليبيكا العام 1960 بعنوان: – Aux origines de la Berbérie, Massinissa ou les débuts de l histoire, IN Libyca, 1960. 

(***) لقد لاحظنا أنّ بعض الامتدادات الأيديولوجية الآتية من وراء الحدود تتعمّد تخوين ماسينيسا، أو تفاضل بينه وبين سيفاكس وهو تفاضل مشبوه لان الموضوعية تقتضي منا أن نعتز بكل الشخصيات الوطنية على امتداد التاريخ لا أن نحط من قيمة هذا ونرفع من قيمة ذاك ونستعمل إسقاطات مغرضة... وهذا مخالف للواقع لأنّ هؤلاء لا يطرحون سؤالا أساسيا وهو لماذا وقع التحالف المضادّ وكيف وجد ماسينيسا نفسه إلى جانب الرومان، وهو وضع فرض نفسه عليه بحيث جرت الرياح بما لا تشتهيه السفن، لأن أشفاط قرطاج غدروا بماسينيسا وأجلسوا على العرش الماسيلي من لا حق له في العرش لا لشيء سوى لأنه من أمّ قرطاجية، وكان جزاء ماسينيسا كجزاء سينمار، فبعد عودته من جبهة القتال إلى جانب القرطاجيين في إيبريا يجد نفسه مجرّدا من عرشه من قبل من كان يقاتل بجيشه إلى جانبهم ... ، للتوسع في الموضوع يمكن الرجوع إلى مقالنا: - عقون (م.ع.) ، ماسينيسا (238-148) من استعادة حقّه في العرش الماسيلي إلى بناء الوحدة النوميدية، في مجلة جامعة باتنة للعلوم الاجتماعية العدد 22 جوان 2010 ص ص 83- 104.

لتحميل الكتاب

من هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

أرشيف المدونة الإلكترونية

y ©

  • ب جميع الحقوق محفوظة privacy-policy سياسة الخصوصية | cookies privacy-policy