صفحتنا على الفيسبوك

انفصام العقل البعثي

نضال نعيسة

نموذج حي من الفصام السياسي للدراسة والتحليل النفسي ظلـّت الماكينة البعثية الدعائية الإعلامية القومية السلفية ولعقود مضت تروّج لفكرة الأمة "العربية" الواحدة، والرسالة الخالدة (أي الخلافة الإسلامية وامبراطورية الغزو البدوية أو داعش تحديداً)، معيدة للذهن تلك التجربة الدموية العسكرية التوسعية الاستعمارية الفاشية التي قامت وانطلقت من مكة في القرن السابع الميلادي حين خرج سكان الصحراء من جزيرتهم لينشروا تصورهم السياسي والسلطوي الأسطوري وثقافة الجهل والموت والدمار والتكفير والتعصب في الجوار ويدمروا حضارات الشرق القديمة في كل من مصر والعراق وسوريا، وأقاموا الملك العضوض والدولة الدينية الثيوقراطية الوراثية الإلهية الفاشية الاستبدادية (الخلافة الإسلامية)، حيث بدأ مسلسل وحمام الدم المعروف، وبقية القصة لا تحتاج لمزيد من الشرح.

وللتذكير العابر، فقد كان البعث هو الحزب السلفي الوحيد الذي وصل للسلطة في المنطقة، وقبل حزب العدالة والتنمية التركي، وتحت شعار وهدف واحد هو "بعث" أمة العرب من جديد وإحياء أنموذجها السلطوي التاريخي الوحيد واليتيم المعروف بالخلافة.

 وظلت هذه الماكينة والأوركسترا البعثية تعزف، وتبشرنا بدولة الرسالة الخالدة التي ستهدم حدود سايكس بيكو المصطنعة، وتمزق خرائط الاستعمار، (هذا ما فعله داعش بالضبط)، وتسترجع أمجاد من يسمون بالعرب، وليعيدوا سيرتهم الأولى بالتوسع والاحتلال وإخضاع الشعوب ونشر الأسلمة والبدونة والتعريب وحكم البشر بثقافة وفكر الصحراء وإعادة استنساخ تلك التجربة التي سـ"تبعث" من جديد، وظل البعث على تلك الحالة مجيء خلافة "الربيع العربي"، ومشروع إقامة الخلافة الإخوانية، وصولاً لدولة داعش. وحقيقة ومن باب الإنصاف، فقد يكون من المبالغة، والظلم، القول بأن البعث الرسمي اليوم، ومع ما يحصل، هو داعش، غير أنه، ونظرياً، وبناء على حقائق ومعطيات كثيرة ستدفعك، دفعاً، نحو بعض الاستنتاجات وهي أن البنية الإيديولوجية والتصور الفلسفي والكياني للبعث وداعش، ولكل سلالات التأسلم السياسي بما فيها الوهابية والإخوان، هو واحد وهو المشترك الفكري والتاريخي والثقافي الذي يشكل عماد وصلب وبنيان التنظيمين البعثي والداعوشي، ومقدساتهم ورموزهم التاريخية واحدة

 ومن يقدسه البعثي كأنموذج وأيقونة مقدسة وأسطورية هي نفسها عند "الداعوشي"، ناهيكم عن أن ضباط "البعث" العراقي الفاشي العنصري المدحور كانوا النواة التنظيمية الفكرية والبشرية لداعش وهذا يعني أنه لم يكن هناك أية حاجة للتعبئة والتثقيف العقائدي المطلوب بشدة لهذه التنظيمات والذي كان موجوداً للتو من فكر وتثقيف البعث وتعبئته الإيديولوجية التي يحملها ويؤمن بها الدواعش. وتبدو "داعش"، والحال، كأروع وأصدق تجل لحلم وتصور دولة الخلافة الإسلامية الموعودة بتسمياتها وتوصيفاتها البعثية المختلفة (الأمة الواحدة والرسالة الخالدة وتصور وفتوى الأزهر الرسمية حول داعش تذهب في هذا الاتجاه)، دولة "الحدود" والاستبداد وقطع الرؤوس والسبي والخطف والقتل على الهوية وقمع الحريات، (نعم كان البعث، وبكل أسف، يبشر بكل ذلك حتى اليوم بدولة قوامها العنصر العربي الغالب الحاكم المتسيد على بقية الأعراق والقوميات، وبكل ما في ذلك من عنصرية وفاشية واضحة، مستلهماً ومزهواً ومتكئاً على الأنموذج الأموي الذي أسس لأول كيان سياسي "قومي عروبي"، كما يطنطن آل البعث ورهطهم القوميون. المهم جاءت داعش، دولة الخلافة الإسلامية، على رجليها و"بـُعثت"، وكل الحمد والشكر لله، (وللعلم هو نفس التصور موجود لدى المملكة الوهابية)، من جديد، وحققت حلم البعثيين بدولة الخلافة ) الأمة الواحدة والخليفة الإلهي والرسالة الخالدة)، والكيان السياسي الواحد الذي سيجمع "شتات" الأعراب والمتأسلمين، فلماذا يحزن ويئن ويشتكي بعض بعثين من "انبعاث" وعودة دولة الخلافة، فيما "بعضهم" الآخر يبدو سعيداً ومبتهجاً، ضمنياً، وعنده "عيد" لـ"بعث" دولة داعش (الخلافة الإسلاموية للأمة الحاقدة الواحدة)؟ هل لأن داعش سرق حلم البعثيين وأخذ زمام المبادرة، وحقق ما لم يحققه البعثيون طيلة عقود من التزمير والتطبيل والتبشير بالحلم القومي؟

إذا كان هناك ثمة من تجب تهنئته بـ"داعش" فهم آل البعث، وحدهم، ولا شريك لهم، وحقيقة يحب أن يكون البعثي والقومي والعروبي أكثر من يفرح ويهلل ويطبل ويزمر لداعش "أمة الرسالة الخالدة"، وكيان رسالة خالدة، ودولة عربية إسلامية تطبق شرع الله وتقوم على إيديولوجية الصحراء التي لن تكون، وفي أسوأ الأحوال، إلا نسخة من داعش، وإن لم يكن هذا هو الفصام، والانفصام فما عساه أن يكون؟ وألف مبروك للبعث ببعث أمة "داعش" الخالدة...


نضال نعيسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

أرشيف المدونة الإلكترونية

y ©

  • ب جميع الحقوق محفوظة privacy-policy سياسة الخصوصية | cookies privacy-policy