صفحتنا على الفيسبوك

شكري الذي نعرفه


فكرت من جديد في حياتي من خلال الأصفار..فكرت في كل شيء من خلال لا شيء : إنني غاضب على هذا الجوع البشري الذي لا يكف حتى الموت. لم أعد أذكر كبريائي التي تمنعني من أن أحب.دائما يغلبني الفجور الأقوى من العفاف في نفسي.أبدا لم تأتيني التي في أوانها أشتهيها :لم افهم امرأة واحدة إلا في نزوات الخيال : في الرشفات لا في رشفة .ربما فكرت في كلهن. كانت رغباتي موزعة فيهن .الحياة التي فكرت فيها لم أعشها...سلوا ذالك الذي عاشها ولم يفكر فيها .."

الليل متاهة كبيرة ،الشمس تتوعد بنهار فوق القانون ،السرير يستنفر العواطف والذاكرة ،القنينة توشك على الضمور كنهد مهمل هي الآن،الجوع يثقب المعدة الفارغة الا من دخان السجائر وقطرات الخمرة المهربة ،المنزل يحرض فراغاته لتلتهمني .الهاتف وحده يعدني بأغنية حب قد تأتي وقد لا تأتي .ريح خفيفة تملأني أملا ، هي الريح ام وهم الريح ؟ صورة شكري تنزع عنك كبرياءك . قلت ذات مرة : شكري ،ملامحك توحي بصرامة كاذبة ،وبرهاني دموع البارحة، التي ملأت كفيك وغسلت تربة السفر .اجاب باحتيال ذئب :لا تغرنك الاحتمالات ،الدموع هي الكاذبة لا الملامح.
ابتسامة خافتة وصمت.

مطر فجائي نسي تذكرة سفره قرر أن يرقص قليلا، للحظات فقط قبل أن ينزوي الى ركن هناك ،موعد بكائه يوحي برائحة شبيهة برائحة امرأة ترمم جسدها.أغنية تثير كلماتها فضولي من بعيد،تغني عن الخيانات وعن امرأة لا تتوقف عن البكاء.دقات خفيفة على باب منحوت بدقة بالقرب مني ،ضيف قديم وزجاجتي نبيذ ثم تبدأ دوامة الغناء والتيه وماكينة الأشواق..
-الولادة ما الولادة تسالني؟
-هي طنجة التي تأتيك حين تتوطد العلائق مع الكتابة والشخوص الثملة ليلا ونصف النصف نهارا. طنجة والولادة ؟. أيصدق التعبير عن طنجة ؟ طنجة الأم ؟ سيمفونية الحياة أم لغة لأبنائها المنفيين في بطنها الكبيرة ؟ التعابير كلها تصدق عن طنجة شكري في صولاته وجولاته .شكري تائه ام هي طنجة التي تسكب فيه من نبضها كلما ولجتها خمرة الولادة.
- شكري ينجب ؟

- حسن لنته معك قليلا ،فلا شيئ يغري في هذا اليوم الرمضاني الكثيف خاصة وقد نفثت آخر جرعاتي النيكوتية، ولا سبيل لرؤية السوسي صاحب الدكان،احذر ،هو على أي بمنتهى الذكاء وان اوحت ملامحه بالنقيض، باع قطعة ارض بمكان مجهول بسوس واقتنى مربعين في شفشاون ..باع كل شيئ واشترى كل ما يمكن شراؤه...لكنه بقي وفيا للجلباب والجوع وامراة التقطتها عينيه وهي تلقم نهدها للريح. عاد الى سوس وقرأ الفاتحة وشرب زيت أركان وعاد بامراة بحجم دكانه او اقل .
-الرجوع الله ، كنا بصدد طنجة والولادة ،لا السوسي الذي يوحي لك الآن بنصف قصة وشوق للدخان..
-آه حسن.. طنجة على العموم مدينة دائمة البكاء ،تبكي على شكري تارة وعلى شكري تارة اخرى ، أوتدري ذات ليلة رأيت فيما يرى النائم صديقنا الضبابي يكرع آخر القطرات في فمه المفتوح دائما على كل الاحتمالات ،هذه المرة كان فمه مطوقا بطقم أسنان ،منظر يوحي بالضحك خاصة ان كنت قد تجاوزت كأسك الرابعة أو الخامسة.
-طنجة يا سادتي غربتنا الصغيرة ..
-لكن ثمة شكري هناك ،يرتزق بشوقنا وذاكرتنا الملفوفة بنقطه السوداء..

-كلاهما غربتنا ،طنجة وشكري.الاولى تلتهمنا كلما اومأت لها بطنها بذلك ، والثاني يلتهم السجائر وقناني البيرة الرخيصة ليشبعنا سبا وثقوبا سوداء للذاكرة ،وبين العام او اثنين وشبيهيهما يتكئ بالجدار الازرق ويمتطي نعش شوق قديم ،يسرق قطرات حب مخبأة بحرص في بناءاتنا الهرمة قبل الأوان ،يأتي ليلا يمتصها بشبقية نحلة،يبتسم ابتسامة من الدرجة الثالثة ويرحل..
صمت فجائي ،أهي باريس تخاطبه مجددا ،سأدعه لتيهه اللذيذ ،أكرع بدون اهتمام مدخنا آخر نفس من هذه الشقراء الفاتنة مدندنا بأغنية امازيغية لم تلتقطها أذني ابدأ : اينيي شان واس شاو لا كم سوذنخ ذوكس ..يحدق في كطيف قائلا :
-حكى لي شكري مرة عن حبيباته الثملات،
-شكري موجة حر ،تسكن تيه طنجة الأبدي ..أجبت

-شكري رجال يحرثون نومي وصحوي ،يفتعلون الحرائق هنا وهناك ،يحمل احدهم مسدسا نصف اوتوماتيكيا ،عله يصطاد شوقي او نصفه على الاقل، هو اولهم في ترتيب مفتعلي الحرائق والحروب ،يسقط في خلده ان ينتهك جغرافية الذاكرة ،فيعزف عن رجولته ،يقتني احمر شفاه ويلبس سترة نسائية مضادة للرصاص،يقدم لي ثقوبه الكثيرة على طبق من ذهب مرفوقة بكل الرصاصات وما تبقى من أحمر الشفاه .
-ايقبل المهرج العرض ؟ شكري في كفة وشئ من احمر الشفاه في الأخرى؟ عاشت العدالة،
- العدالة المثقوبة بدورها..

-لما لا نهتك عرض المجسد الذي يحمله الكفتين ،هي على أي جريمة مضمونة النجاح ،فالمرأة تزين عينيها بغطاء دائم..
قهقهات وضحك مصحوب بالسعال مرة وبالبكاء أخرى..تنتهي القنينة الأخيرة ،يعاود الحنين ليخنقنا مجددا ،قطرة وراء قطرة،النهار يزيح آخر الظلال ،انتهى يومنا دون شكري ،وحدها الذاكرة المثقوبة تروي الغليل..بصمت يكاد يكون همسا :
-لا ادري ،لكني ادرك جيدا انه سرق احمر الشفاه ليقدمه لشكري هدية يملأ بها خزائن ذاكرته الممتلئة بالرجال ،قال شكري لشكري فيما يقول الثمل :
- ذي آخر الثقوب ، خذي استمري في الحفر ،لا تتوقفي ،هو دربك الشهي، أحمر الشفاه لعنتك الأبدية وواقيك من عين الذاكرة ،خذي، تنفسي عميقا وانسي الزمن ، كفي عن البكاء واحرثي جسدك..
-هو سارق الطفولة الذي عاشرته ،أأعجبك ممسك المسدس ؟ أهو ما يفسر تأوهاتك اللذيذة في العمارة الفارغة إلا من أسرة أو اثنتين ،متى يأتي الدور على الأربعيني ناصر؟ لا ادري ؟
- شكري أروع اصطداماتي لكنه بمنتهى الأنانية..غدا نعم غدا ،بعد أن يرحل هذا الشلل الجميل سأمزق كل كتبه ،سأطرح شوقه أرضا ،سألكم حنيني وأحرق ذاكرتي أو قد اثقبها إلى الأبد.

يونس طير شفشاون :11 غشت 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

أرشيف المدونة الإلكترونية

y ©

  • ب جميع الحقوق محفوظة privacy-policy سياسة الخصوصية | cookies privacy-policy